الصفحة الرئيسية
>
شجرة التصنيفات
كتاب: الفوائد **
من أراد علو بنيانه فعليه بتوفيق أساسه وإحكامه وشدة الاعتناء به فإن علو البنيان على قدر توثيق الأساس وأحكامه فالأعمال والدرجات بنيان وأساسها الإيمان، ومتى كان الأساس وثيقا حمل البنيان واعتلى عليه، وإذا تهدم شيء من البنيان سهل تداركه ، وإذا كان الأساس غير وثيق لم يرتفع البنيان ولم يثبت ، وإذا تهدم شيء من الأساس سقط البنيان أو كاد. فالعارف همته تصحيح الأساس فلا يلبث بنيانه أن يسقط. قال تعالى: فاحمل بنيانك على قوة أساس الإيمان، فإذا تشعث شيء من أعالي البناء وسطحه كان تداركه أسهل عليك من خراب الأساس . وهذا الأساس أمران: الأول: صحة المعرفة بالله وأمره وأسمائه وصفاته، والثاني: تجريد الانقياد له ولرسوله دون ما سواه ، فهذا أوثق أساس أسس العبد عليه بنيانه وبحسبه يعتلي البناء ما شاء. فأحكم الأساس واحفظ القوة ودم على الحمية واستفرغ إذا زاد بك الخلط، والقصد القصد وقد بلغت المراد، وإلا فما دامت القوة ضعيفة والمادة الفاسدة موجودة والاستفراغ معدوما: فإذا كمل البناء فبيضه بحسن الخلق والإحسان إلى الناس، ثم حطه بسور من الحذر لا يقتحمه عدو ولا تبدو منه العورة، ثم أرخ الستور على أبوابه، ثم اقفل الباب الأعظم بالسكوت عما تخشى عاقبته، ثم ركب له مفتاحا من ذكر الله تفتحه وتغلقه. فإن فتحت فتحت بالمفتاح وإن أغلقت الباب أغلقته به ، فتكون حينئذ قد بنيت حصنا تحصنت فيه من أعانك إذا أطاف به العدو لم يجد منه مدخلا فييأس منك. ثم تعاهد بناء الحصن كل وقت، فإن العدو إذا لم يطمع في الدخول من الباب نقب عليك النقوب من بعيد بمعاول الذنوب، فإن أهملت أمره وصل إليك النقب ، فإذا العدو معك في داخل الحصن فيصعب عليك إخراجه، وتكون معه على ثلاثة خلال: إما أن يغلبك على الحصن ويستولي عليه، وأما أن يساكنك فيه، وإما أن يشغلك بمقابلته عن تمام مصلحتك، وتعود إلى سد النقب ولم شعت الحصن . وإذا دخل نقبة إليك نالك منه ثلاث آفات: إفساد الحصن والإغارة على حواصله حواصله وذخائره، ودلالة السراق من بني جنسه على عورته، فلا تزال تبلى منه بغارة بعد غارة حتى يضعفوا قواك ويوهنوا عزمك فتتخلي عن الحصن وتخلي بينهم وبينه. وهذه حال أكثر النفوس مع العدو، ولهذا تراهم يسخطون ربهم برضا أنفسهم، بل برضا مخلوق مثلهم لا يملك لهم ضرا ولا نفعا، ويضيعون كسب الدين بكسب الآمال ، ويهلكون أنفسهم بما لا يبقى لهم، ويحرصون على الدنيا وقد أدبرت عنهم، ويزهدون في الآخرة وقد هجمت عليهم، ويخالفون ربهم باتباع أهوائهم ، ويتكلون على الحياة ولا يذكرون الموت ، ويذكرون شهواتهم وحظوظهم وينسون ما عهد الله إليهم، ويهتمون بما ضمنه الله لهم ولا يهتمون بما أمرهم به، ويفرحون بالدنيا ويحزنون على فوات حظهم منها ولا يحزنون على فوات الجنة وما فيها ولا يفرحون بالإيمان فرحهم بالدرهم والدينار ، ويفسدون حقهم بباطلهم وهداهم بضلالهم ومعروفهم بمنكرهم، ويلبسون إيمانهم بظنونهم، ويخلطون حلالهم بحرامهم، ويترددون في حيرة آرائهم وأفكارهم ، ويتركون هدى الله الذي أهداه إليهم . ومن العجب أن هذا العدو يستعمل صاحب الحصن في هدم حصنه بيديه. أركان الكفر أربعة: الكبر والحسد والغضب والشهوة فالكبر يمنعه الانقياد، والحسد يمنعه قبول النصيحة وبذلها ، والغضب يمنعه العدل، والشهوة تمنعه التفرغ للعبادة. فإذا انهدم ركن الكبر سهل عليه الانقياد، وإذا انهدم ركن الحسد سهل عليه قبول النصح وبذله ، وإذا انهدم ركن الغضب سهل عليه العدل والتواضع ، وإذا انهدم ركن الشهوة سهل عليه الصبر والعفاف والعبادة. وزوال الجبال عن أماكنها أيسر من زوال هذه الأربعة عمن بلي بها، ولا سيما إذا صارت هيئات راسخة وملكات وصفات ثابتة، فإنه لا يستقيم له معها عمل ألبتة ولا تزكو نفسه مع قيامها بها. وكلما اجتهد في العمل أفسدته عليه هذه الأربعة، وكل الآفات متولدة منها . وإذا استحكمت في القلب أرته الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل، والمعروف في صورة المنكر والمنكر في صورة المعروف ، وقربت منه الدنيا وبعدت منه الآخرة، وإذا تأملت كفر الأمم رأيته ناشئا منها وعليها يقع العذاب ، وتكون خفته وشدته بحسب خفتها وشدتها فمن فتحها على نفسه فتح عليه أبواب الشرور كلها عاجلا وآجلا، ومن أغلقها على نفسه أغلق عنه أبواب الشرور، فإنها تمنع الانقياد والإخلاص والتوبة والإنابة وقبول الحق ونصيحة المسلمين والتواضع لله ولخلقة. ومنشأ هذه الأربعة من جهله بنفسه، فإنه لو عرف ربه بصفات الكمال ونعوت الجلال، وعرف نفسه بالنقائص والآفات ، لم يتكبر ولم يغضب لها ولم يحسد أحدا على ما آتاه الله . فإن الحسد في الحقيقة نوع من معاداة الله، فإنه يكره نعمة الله على عبده وقد أحبها الله ، ويحب زوالها عنه والله يكره ذلك. فهو مضاد لله في قضائه وقدره ومحبته وكراهته ، ولذلك كان إبليس عدوه حقيقة لأن ذنبه كان عن كبر وحسد، فقلع هاتين الصفتين بمعرفة الله وتوحيده والرضا به وعنه والإنابة إليه. وقلع الغضب بمعرفة النفس وأنها لا تستحق أن يغضب لها وينتقم لها، فإن ذلك إيثار لها بالرضا والغضب على خالقها وفاطرها، وأعظم ما تدفع به هذه الآفة أن يعودها أن تغضب له سبحانه وترضى له، فكلما دخلها شيء من الغضب والرضا له خرج منه مقابلة من الغضب والرضا لها، وكذا بالعكس. أما الشهوة فدواؤها صحة العلم والمعرفة بأن إعطاءها شهواتها أعظم أسباب حرمانها إياها ومنعها منها. وحميتها أعظم أسباب اتصالها إليها، فكلما فتحت عليها باب الشهوات كنت ساعيا في حرمانها إياها وكلما أغلقت عنها ذلك الباب كنت ساعيا في إيصالها إليها على أكمل الوجوه. فالغضب مثل السبع إذا أفلته صاحب بدأ بأكله، والشهوة مثل النار إذا أضرمها صاحبها بدأت بإحراقه والكبر بمنزلة منازعة الملك ملكه فإن لم يهلكك طردك عنه، والحسد بمنزلة معاداة من هو أقدر منك، والذي يغلب شهوته وغضبه يفرق (1) الجهال بالله وأسمائه وصفاته المعطلون لحقائقها يبغضون الله إلى خلقه ، ويقطعون عليهم طريق محبته، والتودد إليه بطاعته من حيث لا يعلمون ونحن نذكر من ذلك أمثلة تحتذي عليها. فمنها: أنهم يقررون في نفوس الضعفاء أن الله سبحانه لا تنفع معه طاعة، وإن طال زمانها وبالغ العبد وأتى بها بظاهره وباطنه . وأن العبد ليس على ثقة ولا أمن من مكره ، بل شأنه سبحانه أن يأخذ المطيع المتقي من المحراب إلى الماخور، ومن التوحيد والمسبحة إلى الشرك والمزمار . ويقلب قلبه من الإيمان الخالص إلى الكفر . ويروون في ذلك آثارا صحيحة لم يفهموها ، وباطلة لم يقلها المعصوم، ويزعمون أن هذا حقيقة التوحيد، ويتلون على ذلك قوله تعالى : ويروون عن بعض السلف: أكبر الكبائر الأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله . وذكر الإمام أحمد عن عون بن عبد الله (2) فإذا استحكم هذا الاعتقاد في قلوبهم وتخمر في نفوسهم صاروا إذا أمروا بالطاعات وهجر اللذات بمنزلة إنسان جعل يقول لولده: معلمك إن كتبت وأحسنت وتأدبت ولم تعصه ربما أقام لك حجة وعاقبك، وإن كسلت وبطلت وتعطلت وتركت ما أمرك به ربما قربك وأكرمك فيودع بهذا القول قلب الصبي ما لا يثق بعده إلى وعيد المعلم على الإساءة ولا وعده على الإحسان. وإن كبر الصبي وصلح للمعاملات والمناصب قال به هذا سلطان بلدنا يأخذ اللص من الحبس فيجعله وزيراً أميراً ويأخذ الكيس المحسن لشغله فيخلده في الحبس ويقتله ويصلبه. فإذا قال له ذلك أوحشه من سلطانه وجعله على غير ثقة من وعده ووعيده، وأزال محبته من قلبه وجعله يخاف مخافة الظالم الذي يأخذ المحسن بالعقوبة والبريء بالعذاب، فأفلس هذا المسكين من اعتقاد كون الأعمال نافعة أو ضارة، فلا بفعل الخير يستأنس، ولا بفعل الشر يستوحش، وهل في التنفير عن الله وتبغيضه إلى عباده أكثر من هذا؟ ولو اجتهد الملاحدة على تبغيض الدين والتنفير عن الله لما أتوا بأكثر من هذا. وصاحب هذه الطريقة يظن أنه يقرر التوحيد والقدر ويرد على أهل البدع وينصر الدين، ولعمر الله العدو العاقل أقل ضرراً من الصديق الجاهل. وكتب الله المنزلة كلها ورسله كلهم شاهدة بضد ذلك ولا سيما القرآن. فلو سلك الدعاة المسلك الذي دعا الله ورسوله به الناس إليه لصح العالم صلاحاً لا فساد معه، فالله سبحانه أخبر وهو الصادق الوفي أنه إنما يعامل الناس بكسبهم ويجازيهم بأعمالهم ولا يخاف المحسن لديه ظلماً ولا هضماً(3) وهو الذي أصلح الفاسدين وأقبل بقلوب المعرضين وتاب على المذنبين، وهدى الضالين وأنقذ الهالكين، وعلم الجاهلين، وبصر المتحيرين وذكر الغافلين، وآوى الشاردين. وإذا أوقع عقابا أوقعه بعد شدة التمرد والعتو عليه، ودعوة العبد إلى الرجوع إليه والإقرار بربوبيته وحقه مرة بعد مرة، حتى إذا أيس من استجابته والإقرار بربوبيته ووحدانيته أخذه ببعض كفره وعتوه وتمرده بحيث يعذر العبد من نفسه ويعترف بأنه سبحانه لم يظلمه وأنه هو الظالم لنفسه كما قال تعالى عن أهل النار: ولما سأله نوح نجاة ابنه أخبر أنه يغرقه بسوء عمله وكفره، ولم يقل إني أغرقه بمحض مشيئتي وإرادتي بلا سبب ولا ذنب، وقد ضمن سبحانه زيادة الهداية للمجاهدين في سبيله ولم يخبر أنه يضلهم ويبطل سعيهم. وكذلك ضمن زيادة الهداية للمتقين الذين يتبعون رضوانه، وأخبر أنه لا يضل إلا الفاسقين الذين ينقضون عهده من بعد ميثاقه، وأنه إنما يضل من آثر الضلال واختاره على الهدى فيطبع حينئذ على سمعه وقلبه، وأنه يقلب قلب من لم يرض بهداه إذا جاءه ولم يؤمن به ودفعه ورده فيقلب فؤاده وبصره عقوبة له على رده ودفعه لما تحققه وعرفه، وأنه سبحانه لو علم في تلك المحال التي حكم عليها بالضلال والشقاء خيراً لأفهمها وهداها، ولكنها لا تصلح لنعمته ولا تليق بها كرامته. وقد أزاح سبحانه العلل وأقام الحجج ومكن من أسباب الهداية لا يضل إلا الفاسقين والظالمين ولا يطبع إلا على قلوب المعتدين ولا يركس في الفتنة (6) وأما المكر الذي وصف به نفسه فهو مجازاته للماكرين بأوليائه ورسله، فيقابل مكره السيئ بمكره الحسن ، فيكون المكر منهم أقبح شيء ومنه أحسن شيء لأنه عدل ومجازاة. وكذلك المخادعة منه جزاء على مخادعة رسله وأوليائه ، فلا أحسن من تلك المخادعة والمكر. وأما كون الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فإن هذا عمل أهل الجنة فيما يظهر للناس، ولو كان عملا صالحا مقبولا للجنة قد أحبه الله ورضيه لم يبطله عليه. وقوله: وأما شأن إبليس: فإن الله سبحانه قال للملائكة: أما خوف أوليائه من مكره فحق ، فإنهم يخافون أن يخذلهم بذنوبهم وخطاياهم فيصيرون إلى الشقاء ، فخوفهم من ذنوبهم ورجاؤهم لرحمته ، وقوله : وأمر آخر: وهو أن يغفلوا عنه وينسوا ذكره فيتخلى عنهم إذا تخلوا عن ذكره وطاعته فيسرع إليهم البلاء والفتنة فيكون مكره بهم تخلية عنهم. وأمر آخر: أن يعلم من ذنوبهم وعيوبهم ما لا يعلمونه من نفوسهم ، فيأتيهم المكر من حيث لا يشعرون. وأمر آخر: أن يمتحنهم ويبتليهم بما لا صبر لهم عليه، فيفتنون به ، وذلك مكر. السنة شجرة والشهور فروعها والأيام أغصانها والساعات أوراقها والأنفاس ثمرها . فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية فثمرته حنظل. وإنما يكون الجداد (9) والإخلاص والتوحيد شجرة في القلب فروعها الأعمال وثمرها طيب الحياة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة . وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة، فثمرة التوحيد والإخلاص في الدنيا كذلك. والشرك والكذب والرياء شجرة في القلب ثمرها في الدنيا الخوف والهم، والغم وضيق الصدر وظلمة القلب، وثمرها في الآخرة الزقوم والعذاب المقيم. وقد ذكر الله هاتين الشجرتين في سورة إبراهيم. إذا بلغ العبد أعطى عهده الذي عهد إليه خالقه ومالكه، فإذا أخذ عهده بقوة وقبول وعزم على تنفيذ ما فيه صلح للمراتب والمناصب التي يصلح لها الموفون بعهودهم ، فإذا هز نفسه عند أخذ العهد وانتحاها (10) فأول مراتب سعادته أن تكون له أذن واعية ، وقلب يعقل ما تعيه الأذن. فإذا سمع وعقل واستبانت له الجادة ورأى عليها تلك الأعلام ، ورأى أكثر الناس منحرفين عنها يمينا وشمالا فلزمها ولم ينحرف مع المنحرفين الذين كان سبب انحرافهم عدم قبول العهد أو قبلوه بكره ولم يأخذوه بقوة ولا عزيمة ولا حدثوا أنفسهم بفهمه وتدبره والعمل بما فيه وتنفيذ وصاياه، بل عرض عليهم العهد ومعهم ضراوة الصبا ودين العادة وما ألفوا عليه الآباء والأمهات، فتلقوا العهد تلقي من هو مكتف بما وجد عليه آباءه وسلفه، وعادتهم لا تكفي من يجمع همه وقلبه على فهم العهد والعمل به ، حتى كأن ذلك العهد أتاه وحده وقيل له تأمل ما فيه ثم اعمل بموجبه فإذا لم يتلق عهده هذا التلقي أخلد إلى سيرة القرابة وما استمرت عليه عادة أهله وأصحابه وجيرانه وأهل بلده، فإن علت همته أخلد إلى ما عليه سلفه ومن تقديمه من غير التفات إلى تدبر العهد وفهمه فرضي لنفسه أن يكون دينه دين العادة ، فإذا شامه الشيطان(11) وإذا كانت همته أعلى من ذلك ونفسه أشرف وقدره أعلى، أقبل على حفظ عهده وفهمه وتدبره، وعلم أن لصاحب العهد شأنا ليس كشأن غيره، فأخذ نفسه بمعرفته من نفس العهد، فوجده قد تعرف إليه وعرفه نفسه وصفاته وأسماءه وأفعاله وأحكامه، فعرف من ذلك العهد قيما بنفسه مقيما لغيره غنيا عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه مستو على عرشه فوق جميع خلقه، يرى ويسمع ويرضى ويغضب ويحب ويبغض ويدبر أمر مملكته ، وهو فوق عرشه متكلم آمر ناه يرسل رسله إلى أقطار مملكته بكلامه الذي يسمعه من يشاء من خلقه، وأنه قائم بالقسط مُجاز بالإحسان والإساءة، وأنه حليم غفور شكور جواد محسن موصوف بكل كمال منزه عن كل عيب ونقص وأنه لا مثل له. ويشهد حكمته في تدبير مملكته وكيف يقدر مقاديره بمشيئته غير مضادة لعدله وحكمته، وتظاهر عنده العقل والشرع والفطرة فصدق كل منهما صاحبيه وفهم عن الله سبحانه ما وصف به نفسه في كتابه من حقائق أسمائه التي بها نزل الكتاب وبها نطق ولها أثبت وحقق، وبها تعرف إلى عباده حتى أقرت به العقول وشهدت به الفطر. فإذا عرف بقلبه وتيقن صفات صاحب العهد أشرقت أنوارها على قلبه فصارت له كالمعاينة، فرأى حينئذ تعلقها بالخلق والأمر وارتباطهما بها وسريان آثارها في العالم الحسي والعالم الروحي، ورأى تصرفها في الخلائق كيف عمت وخصت وقربت وأبعدت وأعطت ومنعت، فشاهد بقلبه مواقع عدله سبحانه وقسطه وفضله ورحمته، واجتمع له الإيمان بلزوم حجته مع نفوذ أقضيته وكمال قدرته مع كمال عدله وحكمته ونهاية علوه على جميع خلقه مع إحاطته ومعيته وعظمته وجلاله وكبريائه وبطشه وانتقامه مع رحمته وبره ولطفه وجوده وعفوه وحلمه . ورأى لزوم الحجة مع قهر المقادير التي لا خروج لمخلوق عنها . وكيف اصطحاب الصفات وتوافقها وشهادة بعضها لبعض، وانعطاف الحكمة التي هي نهاية وغاية على المقادير التي هي أول بداية . ورجوع فروعها إلى أصولها ومبادئها إلى غاياتها حتى كأنه مشاهد مبادئ الحكمة، وتأسيس القضايا على وفق الحكمة والعدل والمصلحة والرحمة والإحسان، ولا تخرج قضية عن ذلك إلى انقضاء الأكوان وانفصال الأحكام يوم الفضل بين العباد وظهور عدله وحكمته وصدق رسله وما أخبرت به عنه لجميع الخليقة، إنسها وجنها ، مؤمنها وكافرها. وحينئذ يتبين من صفات جلاله ونعوت كماله للخلق ما لم يكونوا يعرفونه قبل ذلك، حتى أن أعرف خلقه به في الدنيا يثني عليه يومئذ من صفات كماله ونعوت جلاله ما لم يكن يحسنه في الدنيا، وكما يظهر ذلك لخلقه تظهر لهم الأسباب التي بها زاغ الزائغون وضل الضالون وانقطع المنقطعون ، فيكون الفرق بين العلم يومئذ بحقائق الأسماء والصفات والعلم بها في الدنيا كالفرق بين العلم بالجنة والنار ومشاهدتهما وأعظم من ذلك. وكذلك يفهم من العهد كيف اقتضت أسماؤه وصفاته لوجود النبوة والشرائع وألا يترك خلقه سدى، وكيف اقتضت ما تضمنته من الأوامر والنواهي، وكيف اقتضت وقوع الثواب والعقاب والمعاد، وأن ذلك من موجبات أسمائه وصفاته بحيث ينزه عما زعم أعداؤه من إنكار ذلك، ويرى شمول القدرة وإحاطتها بجميع الكائنات حتى لا يشذ عنها مثقال ذرة، ويرى أنه لو كان معه إله آخر لفسد هذا العالم فكانت تفسد السموات والأرض ومن فيهن، وأنه سبحانه لو جاز عليه النوم أو الموت لتدكدك (12)
|